تبدأ معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي والتوظيف بسؤال بسيط: ما الوظائف التي يستطيع الذكاء الاصطناعي أداءها؟
هذا سؤال مهم، لكنه لا يكفي للتنبؤ بما سيحدث للعاملين. قد تتمكن تقنية ما من إنجاز كثير من مهام مهنة معينة دون أن تلغي المهنة نفسها. وقد يحدث ذلك لعدة أسباب. قد يظل البشر ضروريين لأداء أدوار معينة لأن العملاء يرغبون في التفاعل البشري، أو لأن المؤسسات تشترط وجود أشخاص يتحملون المسؤولية، أو لأن العمل يتطلب الحضور الفعلي وحسن التقدير. وقد يؤدي انخفاض التكاليف إلى زيادة الطلب بما يكفي لتوسيع التوظيف في قطاع ما بدلاً من انكماشه، حتى مع رفع الذكاء الاصطناعي لإنتاجية العاملين.
يقدم إطار OpenAI لتحوّل الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي طريقة جديدة للنظر في هذه الاحتمالات. فبدلاً من اعتبار قابلية المهام للتأثر بالتقنية تنبؤاً بإحلالها محل العاملين، يطرح الإطار ثلاثة أسئلة:
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أداء جزء معتبر من مهام المهنة؟
هل لا يزال الإنسان محورياً في إنجاز العمل أو الإشراف عليه أو تحمل مسؤوليته؟
إذا خفّض الذكاء الاصطناعي تكلفة الخدمة، فهل سينمو الطلب بما يكفي لاستيعاب مكاسب الإنتاجية؟
عند تطبيق الإطار على 921 مهنة تضم نحو 148 مليون وظيفة في الولايات المتحدة، فإنه يرسم صورة أكثر تنوعاً لتحوّل سوق العمل. يواجه نحو 18% من الوظائف مخاطر أتمتة مرتفعة نسبياً، ومن المرجح أن يُعاد تنظيم 24% منها، وقد تنمو 12% بفضل الذكاء الاصطناعي، بينما تشهد 46% تغيراً أقل على المدى القريب.
لا تمثل هذه الفئات تنبؤات باختفاء نسبة معينة من الوظائف. بل هي خريطة توضّح أين قد تبدأ أنواع التغير المختلفة بالظهور.
وظائف أكثر عرضة لمخاطر الأتمتة: قد تشمل هذه الفئة مهناً مثل موظفي إدخال البيانات، والمسوقين عبر الهاتف، والمدققين اللغويين، وبعض أدوار مسك الدفاتر أو الأدوار الإدارية. ينطوي جانب كبير من هذا العمل على معالجة معلومات موحّدة الصيغة أو تدقيقها أو نقلها، وهي مهام تتزايد قدرة الذكاء الاصطناعي على أدائها دون أن يتولى شخص تقديم الخدمة النهائية مباشرة. وقد لا ينمو الطلب على هذه الأنشطة بما يكفي لموازنة مكاسب الإنتاجية الناتجة.
تستحق هذه الوظائف متابعة دقيقة، خصوصاً حيث يتركز العاملون بها جغرافياً أو تقل فرص انتقالهم إلى أدوار قريبة منها. لكن حتى في هذه الحالات، لا تعني القدرة التقنية تلقائياً أو فورياً الاستغناء عن العاملين. فلا يزال على أصحاب العمل إعادة تصميم سير العمل، ودمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة القائمة، وإدارة الأخطاء والمخاطر التنظيمية، وتحديد ما إذا كانت الأتمتة أقل تكلفة بالفعل من الاستمرار في توظيف البشر.
وظائف سيُعاد تنظيمها: من المرجح أن يُعاد تنظيم فئة ثانية أكبر حجماً بدلاً من أن تختفي. ومن الأمثلة المحتملة عليها المحامون والمحاسبون ومطورو البرمجيات والمحللون الماليون والمعلمون. يستطيع الذكاء الاصطناعي بالفعل صياغة العقود، وتلخيص الأدلة، وإعداد التحليلات المالية، وكتابة الأكواد البرمجية، وإنتاج المواد التعليمية. لكن العملاء والمؤسسات لا يزالون بحاجة إلى أشخاص يُعملون تقديرهم، ويتحملون مسؤولية القرارات، ويفهمون الحالات غير المعتادة، ويبنون علاقات مع الزملاء أو الطلاب أو العملاء.
قد يتيح الذكاء الاصطناعي لكل محامٍ مراجعة مزيد من المستندات، ولكل مطور كتابة مزيد من الأكواد، ولكل معلم إعداد مزيد من المواد المصممة لتلبية الاحتياجات الفردية. وقد يقلل ذلك حجم العمالة اللازمة لبعض الأنشطة، لكن المهن نفسها تحتفظ بطابعها البشري الواضح. وتصبح القضية الأساسية هي كيفية إعادة تصميم الوظائف: أي المهام تُسند إلى الذكاء الاصطناعي، وأيها تبقى بيد العاملين، وهل تستمر وظائف المبتدئين والمسارات المهنية في إتاحة فرص التعلم.
وظائف تنمو بفضل الذكاء الاصطناعي: وهي وظائف قد يخفض الذكاء الاصطناعي تكاليفها بما يكفي لزيادة الطلب عليها. من أمثلتها المعلمون الخصوصيون، ومستشارو الصحة النفسية، والمستشارون الماليون للأفراد، وبعض العاملين في الرعاية الصحية. فهذه الخدمات مكلفة حالياً أو يصعب على كثير من الناس الحصول عليها. في هذه المجالات، لا تعني زيادة الإنتاجية بالضرورة انخفاض عدد العاملين. فقد يدفع انخفاض تكلفة الدروس الخصوصية مزيداً من الأسر إلى الاستعانة بها. وقد يتيح انخفاض تكلفة الاستشارات المالية إرشادات مخصصة لأسر لا تستطيع حالياً تحمل تكلفة مستشار. وقد يتمكن الممارسون الصحيون الذين يستعينون بالذكاء الاصطناعي من تقديم مزيد من المتابعة والرعاية المستمرة. وإذا اتسع الطلب بما يكفي، فقد يرتفع إجمالي التوظيف حتى مع زيادة إنتاجية كل عامل.
وظائف تشهد تغيراً أقل على المدى القريب: تشمل هذه الفئة وظائف كثيرة تظل مهامها الأساسية بدنية ويجب أداؤها في مكان محدد، مثل الكهربائيين والسباكين وعمال الأسقف والبناء وكثير من العاملين في خدمات الطعام. قد يساعد الذكاء الاصطناعي في الجدولة، وتقدير التكاليف، والتدريب، وإدارة المخزون، أو التواصل مع العملاء، لكنه لا يستطيع حالياً تركيب الأسلاك، أو إصلاح أنبوب، أو استبدال سقف، أو إعداد وجبة وتقديمها.
لن تبقى هذه المهن بمنأى عن تأثير الذكاء الاصطناعي. فقد تتغير مهامها الإدارية والتنظيمية، وقد يؤدي التقدم في الروبوتات في نهاية المطاف إلى توسيع نطاق الأتمتة. لكن في الوقت الراهن، تظل أعمالها الأساسية أقل قابلية نسبياً للتأثر بالذكاء الاصطناعي القائم على اللغة، ما يقلل احتمال حدوث تغيرات كبيرة على المدى القريب.
من المرجح أن تظهر الآثار المبكرة للذكاء الاصطناعي في تغير المهام وسير العمل ومتطلبات المهارات، قبل أن تتجلى في اختفاء مهن بأكملها. وبالفعل، يرتفع الاستخدام الفعلي للذكاء الاصطناعي حالياً في المهن المصنّفة على أنها أكثر عرضة لمخاطر الأتمتة. ويبلغ معدل انتشار استخدام ChatGPT في المهن الأكثر عرضة للمخاطر نحو ثلاثة أمثال معدله بين القوى العاملة عموماً.
ومع ذلك، لا تتوافق التغيرات الأخيرة في البطالة بصورة واضحة مع مدى قابلية المهن للتأثر بالتقنية. فمنذ الربع الأول من عام 2024، ارتفعت البطالة في بعض المهن الأقل عرضة للتأثر أكثر مما ارتفعت في المهن التي يصنّفها الإطار على أنها تواجه أكبر مخاطر الذكاء الاصطناعي. لكن هذا لا يثبت أن الذكاء الاصطناعي لا يؤثر في سوق العمل. فالبطالة في كل مهنة تتأثر بعوامل عديدة، وقد تظهر بعض التغيرات أولاً في التوظيف، أو فرص المبتدئين، أو الأجور، أو طبيعة المهام التي يتكون منها العمل، بدلاً من تسريح العاملين.
لا يفرض الذكاء الاصطناعي مستقبلاً واحداً محتوماً للعمل. فالقدرة التقنية مهمة، لكن المؤسسات وطلب المستهلكين وقرارات الشركات واللوائح التنظيمية والقيمة المستمرة للمشاركة البشرية كلها مهمة أيضاً. يشير إطار التحوّل المقترح في هذه الورقة إلى أن المهن المختلفة ستحتاج إلى تدخلات مختلفة على مستوى السياسات.
فالوظائف التي تواجه مخاطر أتمتة مرتفعة قد تستدعي أنظمة إنذار مبكر، ومساعدات موجّهة للتكيّف، وخططاً للتحوّل تُصمَّم محلياً.
أما الوظائف المرجح إعادة تنظيمها، فقد تتطلب تحديث التدريب والمعايير المهنية وقواعد التوظيف، وتوضيح ما يُنتظر من الإشراف البشري.
وقد تستفيد الوظائف القابلة للنمو من سياسات تشجع تبنّي الذكاء الاصطناعي، وتوسّع الوصول إلى الخدمات، وتُعدّ مزيداً من العاملين لدخول المجال.
وفي جميع الفئات، يحتاج صانعو السياسات إلى معلومات أفضل تُحدَّث في الوقت الفعلي. إحصاءات العمل التقليدية قيّمة، لكن وتيرة تحديثها غالباً ما تكون أبطأ من أن ترصد التغيرات في المهام وتوقعات أصحاب العمل واستخدام التقنية. ويمكن أن يتيح الجمع بين بيانات التوظيف ومقاييس قدرات الذكاء الاصطناعي وتبنّيه الفعلي صورة أحدث عن المجالات التي تتراكم فيها الضغوط.


