كيف يستعين عالم فيزياء فلكية بـ Codex لمحاكاة الثقوب السوداء
يساعد Codex تشي كوان تشان على تحسين الخوارزميات التي تحاكي حركة الإلكترونات والأيونات حول ثقب أسود واختبارها.
تبلغ الجاذبية حول الثقب الأسود شدةً لا يستطيع معها أي شيء، حتى الضوء، الإفلات منه بمجرد الاقتراب منه بما يكفي. يدرس علماء الفيزياء الفلكية، مثل تشي كوان تشان، الثقوب السوداء باستخدام المحاكاة الحاسوبية والأرصاد. لكن الخوارزميات والقدرات الحاسوبية الحالية تحدّ من مدى واقعية هذه المحاكاة.
يستعين تشان، الباحث في جامعة أريزونا ومرصد ستيوارد، بـ Codex لمعالجة هذه المشكلة.
ويقول إن الثقوب السوداء من أفضل الأماكن لاختبار نظرية النسبية العامة لأينشتاين. تقدّم هذه النظرية حاليًا أفضل تفسير لدينا للجاذبية: فبدلًا من أن تكون قوة تجذب الأجسام بعضها نحو بعض، تنشأ الجاذبية من انحناء نسيج الزمان والمكان بفعل الكتلة والطاقة.
يشارك تشان في مشروع تلسكوب أفق الحدث (EHT)، وهو تعاون دولي نشر أول صورة لثقب أسود عام 2019. ويجمع الفريق حاليًا أرصادًا لإنتاج أول فيديو لثقب أسود فائق الكتلة، مع التركيز على الثقب الأسود في مركز المجرة M87.
لكن تحويل الأرصاد إلى فهم علمي يتطلب معالجة كميات هائلة من البيانات، وسير عمل حاسوبيًا واسع النطاق، ومحاكاة قادرة على نمذجة بعض أشد الظواهر الفيزيائية تطرفًا في الكون.
ولأن الضوء لا يستطيع الإفلات من الثقب الأسود، يدرس العلماء بدلًا من ذلك المنطقة المحيطة به، التي تُسمّى أفق الحدث، وهي حدّ لا تستطيع المادة الإفلات بعد تجاوزه. يقول تشان: «إنه سطح اللاعودة». تُصدر المادة التي تدور خارج هذا الحد مباشرةً ضوءًا يستطيع علماء الفيزياء الفلكية رؤيته وقياسه ومحاكاته.
أظهرت الصورة التي نشرها مشروع تلسكوب أفق الحدث عام 2019 ظلّ ثقب أسود تحيط به بلازما متوهجة قرب أفق الحدث. ساهم تشان في تطوير أدوات المحاكاة والحوسبة التي استخدمها الفريق لتفسير الأرصاد. ومنذ ذلك الحين، واصل تشان وزملاؤه تحسين أدواتهم وقدراتهم الرصدية، بالتزامن مع انتقال الفريق من الصور الثابتة إلى مقاطع الفيديو.
فيديو قصير أنتجته محاكاة على حاسوب فائق، يُظهر حركة البلازما حول الثقب الأسود في مركز مجرة درب التبانة.
المصدر: مجموعة العمل النظرية في مشروع تلسكوب أفق الحدث / سي كي تشان
معالجة معضلة الحركة الحلزونية
تُعدّ نمذجة البلازما حول الثقوب السوداء من أكبر العقبات التي تواجه تشان وفريقه. البلازما مادة شديدة السخونة تتكوّن من إلكترونات وأيونات مشحونة كهربائيًا.
في كثير من عمليات المحاكاة، يبسّط العلماء تمثيل البلازما بالتعامل معها بوصفها مائعًا، مستخدمين معادلات معروفة لنمذجة حركتها حول الثقب الأسود. يؤدي هذا النهج إلى نتائج جيدة نسبيًا في البلازما الأعلى كثافة، حيث تتصادم الإلكترونات والأيونات باستمرار.
لكن قرب الثقوب السوداء فائقة الكتلة التي يدرسها تشان وزملاؤه، تصبح بعض المناطق شديدة الحرارة وقليلة الكثافة إلى درجة أن الجسيمات نادرًا ما تلتقي. ويقول: «إنها عمليًا لا تتصادم بعضها ببعض». وبدلًا من ذلك، تتحرك الجسيمات في الغالب في مسارات حلزونية حول خطوط المجال المغناطيسي.
لنمذجة هذا السلوك بدقة، يحتاج الباحثون إلى تتبّع تريليونات الإلكترونات والأيونات وهي تتحرك بسرعة في مسارات حلزونية حول الثقب الأسود. ويجب على المحاكاة التقليدية حساب كل التفافة صغيرة، ما يفرض على الحواسيب استخدام خطوات زمنية متناهية الصغر.
ونتيجة لذلك، قد تقضي حتى أسرع الحواسيب الفائقة في العالم معظم وقتها في حساب هذه الحركات الدقيقة للجسيمات، بدلًا من محاكاة السلوك على النطاق الأوسع الذي يريد العلماء دراسته فعليًا.
يقول تشان: «ظلّ هذا الأمر لعقود يحدّ من قدرتنا على محاكاة البلازما حول الثقوب السوداء بصورة واقعية».
استخدام الذكاء الاصطناعي لبناء توأم رقمي أفضل
كان تشان يعتقد أن تقنيات رياضية جديدة قد تساعد على تجاوز بعض هذه القيود. تمثّلت الفكرة الأساسية في تغيير الطريقة الرياضية التي تتتبّع بها المحاكاة حركة الجسيمات، بحيث لا يعود الحاسوب مضطرًا إلى تتبّع كل التفافة حلزونية صغيرة مباشرةً.
يقول تشان: «لكن استكشاف جميع الاحتمالات الرياضية يدويًا كان سيستغرق وقتًا هائلًا». لذلك لجأ إلى Codex ليساعده على اشتقاق خوارزميات مرشّحة واختبارها بمقارنتها بحلول معروفة.
اقترح Codex العديد من النهج المحتملة، ولم تكن كلها صحيحة. يقول تشان: «لكن لا بأس بذلك». «فمعظم الأفكار العلمية تفشل. المهم هو أن هذه الخوارزميات قابلة للاختبار. وبمجرد العثور على خوارزمية ناجحة، قد تتيح إجراء محاكاة كانت مستحيلة من قبل».
قد تقدّم بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي نتائج من دون إظهار الخطوات التي اتّبعتها للوصول إلى استنتاجاتها. لكن فريق تشان يستخدم Codex لاقتراح طرائق عددية وتنفيذها، بحيث يستطيع الفريق فحصها واختبارها وفهمها من منظور فيزيائي.
لا تزال النماذج اللغوية الكبيرة ترتكب أخطاء، ولا يزال كثير من العلماء يتوخّون الحذر بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث. لكن تشان يرى أن العلم قد يكون من أفضل مجالات استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية، تحديدًا لأن الأفكار العلمية يمكن إخضاعها لاختبارات صارمة.
ويقول: «لا نقبل فكرة لمجرد أنها جاءت من أينشتاين، أو من طالب نابه، أو من نموذج ذكاء اصطناعي». «لا نقبلها إلا بعد اختبارها مرارًا».
يرى تشان أن الذكاء الاصطناعي أداة يمكنها مساعدة الباحثين على استكشاف مزيد من الأفكار، واختبارها بسرعة أكبر، وتسريع الاكتشافات، مع الالتزام بالتحقق من النتائج وإمكانية إعادة إنتاجها.
إذا نجحت النهج التي يختبرها تشان بمساعدة Codex، فقد تتيح الخوارزميات الجديدة للعلماء في نهاية المطاف محاكاة تريليونات الجسيمات حول الثقوب السوداء. وسيمكّن ذلك الباحثين من دراسة ظواهر فيزيائية تعذّرت دراستها لعقود.
- 2026


